ابن عجيبة
237
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
عقله وقوته ، وهو أربعون سنة ، ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة . آتَيْناهُ حُكْماً : نبوة ، أو : حكمة وَعِلْماً : فقها في الدين ، أو : علما بمصالح الدارين . والحاصل : لما تكامل عقله وبصيرته آتيناه حكما على عبادنا وعلما بنا . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي : كما فعلنا بموسى وأمه ؛ لمّا استسلمت لأمر اللّه ، وألقت ولدها في البحر ، وصدقت بوعد اللّه ، فرددنا لها ولدها ، ووهبنا له الحكمة والنبوة ، فكذلك نجزى المحسنين في كل أوان وحين . قال الزجاج : جعل اللّه تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان ؛ لأنهما يؤديان إلى الجنة ، التي هي جزاء المحسنين ، والعالم الحكيم من يعمل بعلمه ؛ لأنه تعالى قال : وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ « 1 » ، فجعلهم جهالا ، إذ لم يعملوا بالعلم . ه . وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ أي : مصر ، آتيا من قصر ، فرعون ، وكان خارجا ، وقال السّدّى : مدينة منف من أرض مصر ، وقال مقاتل : قرية « حابين » ، على فرسخين من مصر . عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها ، وهو ما بين العشاءين ، أو : وقت القائلة ، يعنى : انتصاف النهار . قال السدى : لما كبر موسى ؛ ركب مراكب فرعون ، ولبس ملابسه ، فكان يدعى موسى بن فرعون ، فركب فرعون يوما وركب موسى خلفه ، فأدركه المقيل بقرب مدينة منف ، فدخلها نصف النهار ، وقد غلقت أسواقها ، وليس في طرقها أحد ، فوجد موسى رجلين . . إلخ . قال ابن إسحاق : كان يجتمع إلى موسى طائفة من بني إسرائيل ويقتدون به ، فرأى مفارقة فرعون ، وتكلم في ذلك حتى ظهر أمره ، فأخافوه ، فكان لا يدخل قرية إلا مستخفيا ، فدخلها على حين غفلة . وقيل : إن موسى لما شبّ علا فرعون بالعصى ، فقال : هذا عدو لي ، فأخرجه من مصر ، ولم يدخل عليهم إلى أن كبر وبلغ أشده ، فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها بخبر موسى ، أي : من بعد نسيانهم خبره « 2 » ، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ ؛ يتضاربان ، هذا مِنْ شِيعَتِهِ ؛ ممن على دينه من بني إسرائيل ، وقيل : هو السامري . وشيعة الرجل : أتباعه وأنصاره ، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ ؛ من مخالفيه من القبط ، وهو طباخ فرعون . واسمه : « فليثور » ، وقيل فيهما : « هذا وهذا » ، وإن كانا غائبين ؛ على جهة الحكاية ، أي : إذا نظر إليهما الناظر قال : هذا وهذا . وقال ابن عباس : لما بلغ موسى أشده كان يحمى بني إسرائيل من الظلم والسخرة ، فبينما هو يمشى نظر رجلين يقتتلان ، أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل .
--> ( 1 ) من الآية 102 من سورة البقرة . ( 2 ) أخرج هذه الأقوال الطبري في تفسيره ( 20 / 43 - 44 ) .